مقالات وبحوث

التعليم.. التعليم.. التعليم مستقبل الكويت

بقلم: أ. د. عبدالرحمن الأحمد

تشكل قضية الإصلاح التربوي في النظام التعليمي واحدة من القضايا الساخنة في مجال الحياة الاجتماعية والاقتصادية في العالم المعاصر، ومن ذلك دولة الكويت. وتحفل الساحة اليوم بعقد العديد من المؤتمرات التربوية التي تسعى إلى بناء منطق جديد يكفل للتربية المدرسية أن تتجاوز التحديات التي تحيط بها، ويمنحها القدرة على مواكبة عصف الحضارة التكنولوجية المتقدمة، وعلى احتواء التفجر المعرفي بما ينطوي عليه من خصائص التسارع والتنوع. ولقد وجدت الدول في الإصلاح التربوي منطلقا لإصلاح أحوالها والنهوض بطاقاتها، وفي كل مرة يدق فيها ناقوس الخطر تستنهض هذه الدول أنظمتها التربوية بالإصلاح؛ لأجل مواجهة الخطر وبناء الإنسان القادر على تجاوز محن الحضارة والمشاركة في بنائها. إذا كان التعليم في الدول المتقدمة يعاني من أزمة، فإن هذه الأزمة تأخذ أبعاداً مأساوية مترامية الأطراف في البلدان النامية، ومن بينها البلدان العربية. فالأنظمة التربوية في المجتمعات المتقدمة تتصدى اليوم لمشكلات ما بعد الحضارة الصناعية، بينما الأنظمة التعليمية في العديد من البلدان النامية مازالت تعاني من مشكلات ما قبل الحضارة الصناعية الأولى، وإذا كانت مشكلات المستقبل والمستقبل البعيد جدا هي هاجس البلدان المتقدمة، فإن مشكلات الماضي ما زالت تشكل محور اهتمام الشعوب في البلدان النامية، ولقد شكل ظهور كتاب «أمة في خطر» (1984، A Nation at Risk)، في الولايات المتحدة الأمريكية، منطلق صحوة علمية تربوية في أميركا، امتد صداها إلى مختلف بلدان العالم. لقد تحسست الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مستمر ودائم خطورة العملية التربوية وأهميتها في بناء الإنسان، وفي الحفاظ على موقع الولايات الأميركية المتميز في سلم الحضارة الإنسانية، ومن هذا المنطلق جاءت مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ريغان التي تعد من أهم المبادرات التي دعا بموجبها إلى تشكيل لجنة رئاسية عالية المستوى لإعادة النظر في الاستراتيجيات والسياسات التربوية الكفيلة بتطوير النظام التربوي في الولايات المتحدة الأميركية، وذلك لأجل المحافظة على موقع أميركا المتميز في صدارة الحضارة الإنسانية المعاصرة. وقد أحدث تقرير هذه اللجنة هزة في الرأي العام الأمريكي. وانطلاقا من ذلك انبرت مؤسسات المجتمع الأميركي لتقصي مواطن الضعف في النظام التعليمي الذي يشكل منطلق قوة أمیركا ونفوذها. وقد عرفت الولايات المتحدة الأميركية أهم حركة إصلاح تربوي في عام 1989م؛ حيث عقدت قمة رئاسية حول أوضاع التعليم، حضرها وشارك فيها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش في 27 و28 سبتمبر، في مدينة تشارلوتزفيل في ولاية فرجينيا، وأطلق على هذه القمة قمة الرئيس وحكام الولايات للتربية، وصدر لاحقا على أساس هذه القمة بيان أو وثيقة في 18 نيسان (أبريل) عام 1991 م بعنوان: «أميركا عام 2000م استراتيجية للتربية»، تضمنت ملامح حركة إصلاح تربوي شامل تعد أميركا لقيادة العالم في القرن الحادي والعشرين.. وقد اتسعت هذه الإصلاحات التربوية لتقتدي بها بلدان العالم: شماله وجنوبه؛ حيث انهمكت الدوائر السياسية في مختلف بلدان العالم في إصلاح أنظمتها التربوية والتعليمية بصورة مستمرة؛ لأجل مواكبة التحديات العالمية الجديدة في كل ميدان.
التطور التربوي في دولة الكويت
في غمرة التحولات العالمية الجديدة في ميادين السياسة والاقتصاد شهدت دولة الكويت في ظل توجهات القيادات السياسية العليا، وعلى رأسها حضرة صاحب السمو (الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح) رحمه الله، منظومة من الفعاليات العلمية والتربوية التي تسعى إلى تطوير النظام التربوي للمساهمة في مسيرة التعمير والبناء الاقتصادي والاجتماعي وتأكيد دوره الإنمائي في مختلف الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية، وتأسيسا على ذلك تعمل دولة الكويت اليوم على توجيه السياسات التربوية نحو مواكبة التغيرات الاجتماعية والتحولات العالمية في مجال الاقتصاد والتكولوجيا وثورة المعلومات. فالخطوات والإجراءات والدراسات والخطط الخمسية والعشرية والمحاولات الجادة لتطوير التعليم تشهد بأن الدولة تسعى إلى تطوير التعليم بوضع وثيقة استراتيجية لتطوير التعليم من عام 2005 حتى عام 2025م.
أسس ومبادئ لتطوير التعليم
تنطلق أسس التطوير التربوي من معطيات التجربة الوطنية والتجارب العالمية في مجال التطوير والإصلاح التربوي، كما تنطلق من خلاصة الدراسات والأبحاث العلمية الجارية في هذا الميدان، ويمكن لهذه الأسس والمنطلقات أن تشكل منطلقا منهجيا في ترشيد الحياة التربوية، وفي تحقيق نقلة نوعية نحو تعليم تنموي قادر على النهوض بالوطن وتأكيد ثرائه الإنساني في مختلف اتجاهات التنمية والتطوير، ومن أهم هذه الأسس والمبادئ الموجهة للوثيقة الوطنية للتعليم ما يلي: أولا – تأكيد البعد المستقبلي للتربية: إن تكنولوجيا الغد لا تحتاج إلى ملايين الأفراد سطحيي التعليم المستعدين للعمل المتساوين في أعمال لا نهائية التكرار، ولكنها تتطلب أفرادا قادرين على إصدار أحكام حاسمة، أفراد يستطيعون أن يشقوا طريقهم وسط البيئات الجديدة، ويستطيعون أن يحددوا موقع العلاقات الجديدة في الواقع السريع المتغير، إنها تتطلب أفرادا من ذلك النوع الذي وصفه (س . ب . سنو) بأنهم يحملون المستقبل في عظامهم، إن الطفل الذي نخطط لتعليمه وتربيته اليوم – وفقا لمعطيات الحاضر – سيجد نفسه بعد عشرين عاماً، وقد أعد لعصر غیر عصره ولزمن غير زمنه. ويقول روبرت يونك، وهو من أبرز فلاسفة أوروبا المستقبليين: « في وقتنا الراهن یكاد یكون التعليم مركز تركیز آتاما على ما حدث وما صنع ؟ أما في الغد فلا بد من أن يخصص ثلث المحاضرات والتدريبات – على الأقل – للاهتمام بالأعمال الجارية في المجالات العلمية والتكنولوجية والفن والفلسفة ومناقشة الأزمات المتوقعة والحلول الممكنة مستقبلا لمواجهة تحدياتها».
وغني عن البيان، أن مصير الوطن يتوقف على الكيفية التربوية التي سيعد بها أبناؤه في القرن الحادي والعشرين، فالمستقبل هو حاضن الثورات المعرفية التي تتضاعف كل سبع سنوات تقريبا، ومن هذا المنطلق فإن القدرة على تنظيم وتوظيف التدفق المعرفي الهائل الذي نشهده اليوم وسنشهده في الغد يعد المحك الأساسي للتقدم في القرن القادم. ولا بد لنا لأجل أن نلحق بالأمم المتقدمة أن نعيد بناء موقفنا من الزمن؛ حيث يجب أن ترسم موقفاً جديدا من الزمن يعطي للحضارة أهميتها وللمستقبل ضرورته. ويشكل مثل هذا الموقف الجديد من الزمن ضرورة إصلاحية تاريخية في مختلف اتجاهات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ولا سيما في مجال التربية والتعليم. ولقد بقي الإصلاح التربوي في الوطن العربي، ودولة الكويت بشكل خاص، بعيدا عن مقاربة مفهوم الزمن، وبقي تمثل محاولات متفرقة جزئية لا تمس جوهر العملية التعليمية السائدة، وبقيت هذه المحاولات نوعا من المبادرات التي تخشى الهدم حتى لو كان من أجل إقامة بناء راسخ متين.
ويمكن القول إن إصلاح المدرسة والأنظمة التعليمية القائمة يمكن أن يتم من خلال تحقيق الدمج الوظيفي والمعرفي والاجتماعي بين المدرسة والمجتمع، ومن خلال هدم الحواجز التي تقوم بينهما، وإعطاء المدرسة دورة أكثر أهمية وتسارعا في نشر المعرفة وإنتاجها وإعداد الكفاءات العلمية في ميادين الحياة المختلفة.
ويتطلب الأمر تطوير العمل التربوي في المستقبل باتجاه مفهوم التعليم للحياة، بتأكيد الجوانب الأربعة التالية في مناهجنا الدراسية والأنشطة في البيئة المدرسية.
– أن يتعلم الفرد كيف يتعلم.
– وأن يتعلم كيف يعمل.
– وأن يتعلم كيف يعيش مع الآخرين.
– وأن يتعلم كيف يكون.
ثالثا – تأكيد مبدأ التعليم المستمر.. تربية متغيرة لزمن متغير.
لقد تحول التعليم المستمر إلى مهماز الفعل التربوي في عصر التحولات الاجتماعية المتسارعة، فالتغير المستمر في بنية الوجود الاجتماعي يتطلب بناء الإنسان القادر على التعلم المستمر، إذ إنه لا غنى لأمة تريد أن تحقق تلك الأهداف العظيمة في واقع الحياة عن أن تتبع سياسة التعليم المستمر: التعليم مدى الحياة؛ ذلك أن العمر الإنساني – بوجه عام – قصير، والإبداع العلمي والمعرفي لأي فرع من فروع العلم والمعرفة لا يمكن أن يتحقق في سن الدراسة بالمراحل الثلاث الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، فخريج الجامعة لا يتخرج في أحسن أحواله إلا وقد حاز مفاتيح العلم الذي تخصص فيه، وإن لم يبدأ بعد ذلك بالدراسة الجادة والخبرة العلمية، والتعليم المستمر، فإنه لا يغدو إلا موظفا محدود الإدراك، ضحل المعلومات التي يمكن أن يتجاوزها الزمن بسرعته الهائلة واكتشافاته المذهلة، وتغيره الدائم.
رابعا – التعلم الذاتي
السياسة التعليمية الحكيمة يجب أن تعتمد على إعطاء مفاتيح العلم للمتعلم وتتركه بنفسه هو بعد ذلك، ليكشف ويبحث، ويحصل ويصل إلى النتائج بمفرده وهذه السياسة ستوفر كثيرا من الجهود المهدورة في حشو الأذهان، وستقلل من تضخم المناهج الدراسية، التي تثقل كاهل الطالب وتؤدي إلى كراهية الدراسية، وعدم الفهم والاستيعاب وتجعله يتوه وسط التفريعات والهوامش والحواشي والجزئيات، وإعطاء مفاتيح العلم للمتعلم سيجعله مدركا للعلم الذي تعلمه وحدوده وأبعاده، وسيعلمه طرق البحث ومراجع الدراسة، وينمي موهبته وقدراته، وبذلك نخرج من مأزق الخريج الذي لا يعرف إلا ما عرف ولا يستطيع بنفسه أن يصل إلى شيء جديد؛ لأنه درس بعض جزئيات العلم، ولم يعرف مراجعه، ولا مفاتيحه، ولا كيفية البحث فيه، ولا طرق الاستنباط منه.
خامسا – التكامل التربوي بين مختلف المؤسسات التربوية
من أعظم ما يعاني منه المجتمع العربي الإسلامي بشكل عام ودولة الكويت بشكل خاص في مجال التربية، اختلاف بل تناقض المؤثرات التربوية على الفرد؛ فما يسمعه ويتعلمه الفرد في الأسرة يختلف في كثير أو قليل مع ما يتلقاه في المدرسة، وكذلك ما يسمعه في المسجد، وما يراه في التلفاز، وما يقرأه في الصحيفة، وما يربي عليه في إطار المجموعات العقائدية والسياسية والتيارات المختلفة، بل إن الطالب يتلقى في المدرسة الواحدة، وفي الصف الواحد معلومات متناقضة لا يفصل بينها أحيانا، إلا أنه يخرج هذا المعلم ويدخل الآخر ليتسخ أو يلغي ما قرره سابقه، وبهذا يظل الطالب في بلبلة وتناقض.
سادسا – تأكيد بناء منظمة قيمية تربوية ذات طابع تنموي
لقد بینت مختلف الاتجاهات الفكرية والتاريخية أن النهضة الحضارية مرهونة بفعالية النظام القيمي في المجتمعات الإنسانية. ولقد أوضحت إحدى الدراسات التربوية حول نسق القيم وجود مجموعة من القيم التي تناهض مقومات الوجود التنموي والحضاري في بلدان الخليج العربي، وأهمها: احتقار العمل اليدوي، ورفض عمل المرأة، وسيطرة الانتماء القبلي والعائلي، وهيمنة قيم المجاملة والواسطة وقيم المسايرة، وحب المظاهر والتفاخر والاتكالية وغلاء المهور، والطلاق، وتعدد الزوجات، وضعف الروابط الأسرية، وضيق فرص مشاركة المرأة في العمل وفي النشاطات الاجتماعية.
وهذا يعني بالضرورة أنه يجب على التربية في الكويت أن تعمل اليوم على إرساء فعالية قيمية جديدة تؤسس لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهي قيم تعزز العمل وحقوق المرأة واحترام الزمن وتعظيم العمل بكل صيغة، والإيمان المطلق بأهمية العلم وأهمية تحصيله.
سابعا – الكشف المستمر عن التحديات التربوية المتجددة وتحديد الأولويات
يعاني النظام التربوي في دولة الكويت من أوجاع في مدى شدتها وتتلون في مدى خطورتها. لقد كشفت الدراسات التربوية الجارية حول النظام التربوي عن أغلب التحديات التي تواجه النظام التربوي في دولة الكويت. وبقي علينا أن نحدد أولويات هذه المشكلات ونسق أهميتها، وأن نجري ما أمكن من الدراسات الجادة في سبيل مزيد من الكشف والتحديد.
ثامنا – إعادة بناء الأهداف التربوية وفقا لأحدث المنهجيات التربوية المعاصرة
في ضوء الأوجاع والمشكلات التي تم تحديدها في البداية، وفي ضوء الغايات التي رسمناها لصورة الإنسان المطلوب، يترتب علينا أن نعيد النظر في بنية الأهداف التربوية وفقا لأحدث المناهج المعتمدة في عملية بناء أهداف تربوية جديدة شاملة ذات طبيعة تنفيذية.
كما يترتب إجراء تغييرات جوهرية في النظام التربوي القائم في المناهج وفي إعداد المعلمين، وفي إعداد التلاميذ، وفي المختبرات والمباني والعلاقات القائمة بين أطراف العملية التربوية، وإيجاد صيغة تكاملية في مستوى المؤسسات التربوية القائمة بين المدرسة والأسرة على نحو خاص.
إن اعتبار المعلم متمهن يستوجب معاودة تعليمه وتثقيفه نظرية وعملية بصورة مستمرة، مع متابعة نموه المهني داخل مدرسته، ما أمكن ذلك، فضلا عن الحاجة الماسة إلى التدريب المدربين ليكونوا على مستوى المسؤولية المنوطة بهم؛ فمسألة التدريب هي في جوهرها معاودة التعلم والتثقف في القضايا النظرية والتطبيقية على مدى طويل، في إطار الزمالة التعاونية، ولا شك في أن دراسة المعلم العلوم الإدارة والإشراف ضرورية ومفيدة للممارس التربوي، فهي تضبط السياق الذي تحصل فيه عمليات النمو والتعلم والتعليم، وتنظم تلك العمليات وتنسقها وترفدها بالوسائل والتجهيزات اللازمة، فضلا عن دعمها ومساندتها للمعلمين معنويا ومتابعة تقدمها وتقوية أدائهم.
وتعد تربية المعلمين والممارسين التربويين قضية القضايا، فلا يعقل أن يحصل تطوير تربوي حقيقي، دون قيام المعلمين بالمسؤولية الأولى في هذا المجال، بالتعاون مع نظرائهم المشاركين في العملية التربوية وسائر المواطنين، فلا بد من إعادة النظر في إعداد المعلمين قبل الخدمة وفي أثنائها، مع إعطاء الوزن الأكبر لمتابعة الإعداد والتمهين خلال الخدمة، وجعل إجازة التدريس كشرط لتعيين أي معلم.
ويجدر أن تحصل هذه العملية بشكل مستمر في المدرسة نفسها بوصفها وحدة أساسية في النظام التربوي، وأن يفرد لها وقت خاص في توزيع العمل الأسبوعي، فضلا عن الدورات التدريبية والحلقات المهنية التي تعقد من وقت إلى آخر.
والمثل الأعلى هنا إيجاد مجتمع مدرسي دائم التعلم للمتعلمين والمعلمين ونظرائهم من التربويين على السواء، وهذا ما نصت عليه معظم مشاريع الإصلاح التربوي المرموقة في العالم، ويتطلب التطوير التربوي الشامل إعداد المعلم وتدريبه في إطار أهداف التطوير وما يترتب عليها من تطوير في المناهج، وفي استراتيجيات التعليم والتقويم، ولا سيما ما يتصل بتمرس المعلم بأساليب التعلم الذاتي، والتعليم عن طريق فريق من المعلمين، وأساليب التعاون من الآباء أو من المجتمع المحلي، وتوظيف الأساليب والوسائل الجديدة في تقويم الطلبة وفي التوجيه والإرشاد، ويربط التعليم بحاجات المجتمع وبمواقع العمل.
تحديد صورة المواطن الذي نريده عبر التربية
تأتي الخطوة الأساسية والمهمة، وهي أن تحدد ما يترتب على التربية أن تقوم به في عصر متفجر متغير، وهي أن نحدد صورة المواطن التي يشكلها النظام التربوي القائم؟ ما المواطن الذي نريده؟ ما المجتمع الذي نريده؟ أنريد إنسانا لدنياه؟ أم إنسانا لآخرته؟ إنسانا للحاضر أم للمستقبل؟ إنسانا للتكنولوجيا أم إنساناً للتأمل؟ الإنسان المنتج أم الإنسان المستهلك؟ هل تريد إنسانا للدين والدنيا في آن واحد؟ وما الطريق الذي يجعلنا قادرين على اللحاق بالأمم المتقدمة؟
وفيما يلي مواصفات الإنسان الذي نريده لنسایر متغيرات العصر:
1 – تمتلك قدرة فائقة على بناء المعرفة ومعالجة المعلومات والوصول إليها في الوقت المناسب (عالم).
2 – يتميز بقدرة كبيرة على تمثل معطيات التكنولوجيا الحديثة ومواكبة تطورها (تكنولوجي).
3 – إنسان متفرد بخصوصیاته وبعيد عن الروح النمطية (فردي).
4 – قادر على ممارسة النقد والتفكير النقدي (نقدي).
5 – مشبع بإمكانيات التعلم الذاتي ومهاراته (ذاتي التعلم).
6 – يتميز بروح الإبداع والابتكارات والتجديد (مبدع).
7 – يمتلك في شخصيته إيماءة كبيرة بالديمقراطية والتسامح واحترام الآخرين (ديمقراطي).
8 – تمتلك فلسفة شمولية متكاملة حول طبيعة الأشياء (فيلسوف).
9 – يؤمن بلا حدود بالحرية الشخصية وحرية التفكير (حر).
هذه هي بعض السمات الأساسية لمواطن المستقبل، التي يجب أن تنطلق لنؤكدها فيه، وفي الخلاصة إذا كنا نريد أن نلحق بركب الحضارة يجب أن يركز التعليم على بناء الإنسان العالم المفكر القادر على إنتاج التكنولوجيا المتقدمة بالدرجة الأولى، فإنتاج التكنولوجيا والمعرفة تعد معیار قدرة شعب ما على التواصل مع الحضارة والحضور فيها.
ومع الأسف الشديد تعليمنا – ليس في دولة الكويت فحسب وإنما في الوطن العربي برمته – لا ينتج أناسا من أجل الحاضر أو من أجل المستقبل، إننا باختصار نتج إنسانا من أجل الماضي، إذ إن أنظمتنا التربوية أنظمة ماضوية تعزز قيم الماضي ومفاهيمه وصوره وتعممها على الحاضر وتمليها في المستقبل.
ولا بد من أن يتم التركيز في المستقبل على ما يلي:
1 – بناء قاعدة واسعة للتعليم في رياض الأطفال ودور الحضانة، تعتمد أحدث المناهج في مجال تربية الأطفال وتعليمهم وإعدادهم للمستقبل (ولا نستطيع في هذا السياق أن نفصل في أهمية رياض الأطفال، ولكن يمكن القول إن أفضل الأنظمة التربوية هي التي تبني الأطفال قبل مرحلة دخولهم إلى المدرسة الابتدائية).
2 – تأكيد زيادة تدريس الرياضيات والعلوم التطبيقية في المدرسة وزيادة الحصص المقررة للطلبة في مجال العلوم الدقيقة والتطبيقية (الأنظمة العالمية تتبارى في مدى تركيز أنظمتها وقدرتها على تدريس الرياضيات والعلوم التطبيقية).
3 – تأكيد التكنولوجيا في العمل التربوي من زاويتين: توظيف هذه التكنولوجيا في التعليم (استخدام الحاسوب والتلفزيون والإنترنت أدوات تعليمية)، ومن ثم توظيف هذه التكنولوجيا موضوعا للتعليم من جهة أخرى، ويتمثل ذلك في إدخال مادة الحاسوب والإنترنت
وغير ذلك من المواد التكنولوجية المتاحة في المرحلة الابتدائية لإعداد الجيل القادر على التعامل مع المستقبل.
4 – التركيز في العمل التربوي على أهمية التربية لا التعليم والانطلاق من التلميذ محور للعملية التربوية، ويعني هذا التركيز على بناء الشخصية الإنسانية، ويتطلب ذلك من ثم إجراءات عديدة في داخل النظام التعليمي، تؤكد على بناء المناهج الدراسية وإعداد المعلمين وإعداد الإدارات المدرسية وغيرها.
5 – التنسيق بين المدرسة والمؤسسات التربوية كالأسرة والمساجد والمؤسسات الإعلامية في العمل التربوي والعمل على تحقيق التواصل القيمي والحضاري بين هذه المؤسسات. ويمكن للمساجد أن تسهم إلى جانب المدارس في التركيز على قيم العمل وطلب العلم والإنجاز والطموح بالدرجة الأولى؛ وذلك تعزيزا للدور المستقبلي للمدرسة في هذا السياق بما يؤهل الوثيقة الوطنية للتعليم.
6 – تبني المزيد من الانفتاح بين المدرسة والحياة الاجتماعية والاقتصادية وفتح محاور اتصال بين المدرسة والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية المنتجة كقيام الطلبة بزيارة هذه المؤسسات ومشاركتها في تدريب الطلبة وتأهيلهم في بعض المجالات، ومشاركة أولياء الأمور في نشاطات العمل المدرسي، ويقتضي هذا المبدأ إدخال المدرسة في المجتمع وإدخال المجتمع في فعاليات المدرسة.
7 – العمل على تجنب الأساليب التقليدية (طرق تدريس، الامتحانات، العلاقات التربوية داخل المؤسسات التعليمية التي تركز على الحفظ والاستظهار، والعمل بكل الأساليب الممكنة لجعل المدرسة مؤسسة تعتمد على مبدأ بناء العقل وتطوير إمكانيات الطلاب في تمثيل العمليات العقلية المنطقية العالية في التحليل والتركيب والمناقشة والاستنتاج والاستدلال واعتماد مختلف الأساليب الممكنة في هذا المجال).
وفي النهاية يمكن القول: إن قدر الشعوب الحية أن تنهض من كبوتها الحضارية، وقدر الأمم العظيمة أن تنظر في آفاق المستقبل نظرات تتجاوز حدود الحلم وتفوق إيقاعات الخيال والصور.
وقدرنا في دولة الكويت أننا ننتمي إلى خير أمة أخرجت للناس، وهو قدر يضعنا في التعامل الجاد مع المسؤولية التاريخية والعطاء.
قدرنا أن نعمل بلا حدود من أجل بناء الإنسان الذي سیر لأمته خطوة الحضور في مجال عمالقة الزمن، وهذا هو ما برهنت عليه إرادة الشعب الكويتي النبيل التي تجسدت في تطلعات الشعب الكويتي وآماله من صناع القرار بأن يكون تطوير التعليم العام والعالي في قمة أولويات السلطة التنفيذية والتشريعية لمواجهة متطلبات المستقيل ما بعد كورونا.
المصدر: جريدة الكويتية
إغلاق