حين تقرأ فيك لا فيه، إسقاط البنية على النص القرآني وخطر النموذج المستعار

مدخل:
تخيل رجلاً دخل بستاناً يحمل في يده قائمة بأسماء فواكه يبحث عنها، فكلما رأى شجرة توقف وتساءل: “هل هي ما أبحث عنه؟” وكلما وجد تشابهاً ولو بعيداً أشار بزهو قائلاً: “وجدتها!” في نهاية اليوم عاد وهو يظن أنه تجول في البستان وعرفه، بينما هو في الحقيقة لم يرَ البستان أبداً؛ بل رأى قائمته فحسب.
هذا بالضبط ما يحدث حين يأتي القارئ إلى النص القرآني حاملاً نموذجاً جاهزاً في ذهنه؛ تصنيفاً، أو هرماً، أو نظرية، ثم يشرع في البحث عنه بين الآيات، سيجده بالطبع، لأنه هو من وضع معيار “الإيجاد” ثم يعلن أنه اكتشف شيئاً في القرآن، والحقيقة أنه لم يكتشف إلا ما أحضره معه.
هذه المعضلة تُسمى: إسقاط البنية على النص، وهي ليست تهمة أخلاقية لأصحابها، فبينهم مخلصون ومتعلمون، لكنها خطأ منهجي صامت يُفسد القراءة من جذورها، وأخطر صورها حين يلتقي مفهوم مستورد بكلمة في النص تشبهه لفظاً، فيتوهم القارئ أنه أمام تطابق، بينما هو أمام فخ، إن هذه الأطر ليست محايدة، بل هي نتاج نموذج حضاري مغاير، وإسقاطها يمثل خطراً وجودياً يتجاوز مجرد الخطأ المنهجي.
أولاً: ما الذي يحدث بالضبط؟
كل قارئ يحمل قبل أن يفتح الصفحة الأولى ما يمكن تسميته مصفوفة توقع؛ وهي مجموعة المفاهيم والتصنيفات التي تحدد ما يلاحظه وما يتجاوزه، هذا أمر طبيعي، فلا يوجد قارئ متجرد كلياً من خلفيته، لكن ثمة فارق جوهري بين نموذجين من القراء:
- القارئ الأول: يأتي بمصفوفته لكنه يمنح النص حق مقاومته، ومفاجأته، وكسر توقعاته. هذا القارئ يخرج بشيء لم يكن عنده.
- القارئ الثاني: يأتي بمصفوفته ولا يمنح النص أي حق في المقاومة، فهو يبحث عن تأكيدات لما يحمل، ويجدها دوماً، النص في يده مرآة تعكس ذاته لا محاوراً يكشف له الغيب.
وعلامة الفارق بسيطة: هل فاجأك النص؟ هل أربكك؟ هل خرجت بسؤال لم يكن عندك؟ إن كانت الإجابة “لا”، وكان كل شيء قد جاء وفق توقعك، فأعد النظر؛ لعلك لم تقرأ النص، بل قرأت نفسك من خلاله.
ثانياً: هرم بلوم — نموذجاً للإسقاط
في عام 1956، نشر عالم النفس التربوي بنيامين بلوم تصنيفاً للأهداف المعرفية يُعرف بـ “هرم بلوم” يتدرج الهرم من القاعدة إلى القمة عبر ست مراحل: (التذكر، الفهم، التطبيق، التحليل، التقييم، الإبداع) الفكرة المحورية هنا هي أن التذكر أدنى العمليات المعرفية والإبداع أعلاها. الهرم أداة “براغماتية” نشأت لغرض محدد: تصميم المناهج وقياس مخرجات التعلم في الفصول الأكاديمية.
ثم جاء من يحمل هذا الهرم إلى القرآن، فيقرأ “فاذكروا الله” و”اذكر ربك” فيضعهما في قاع الهرم، ويقرأ “أفلا تعقلون” فيضعها في أعلاه، ثم يبني خريطة للعمليات المعرفية وفق مستويات بلوم، مدعياً أن القرآن يسبق بلوم بقرون! والحقيقة أنه لم يكتشف شيئاً، بل أسقط بلوم على القرآن ثم أعاد استخراجه منه.
ثالثاً: التشابه اللفظي فخ، قصة “التذكر”
تكمن الخطورة هنا في أن الخطأ مموه بـالتشابه اللفظي. كلمة “التذكر” موجودة عند بلوم وفي القرآن، لكن البون بينهما شاسع:
- التذكر عند بلوم: هو استرجاع معلومة خُزنت سابقاً، الإنسان يبدأ صفحة بيضاء تملؤها التجربة، والتذكر هنا عملية أدنى لأن المعرفة الحقيقية هي التي تتجاوز المعطى، كما أن ما يُتذكر هو نص بشري تاريخي وقابل للتجاوز، لذا فالعلاقة معه نقدية تقويمية.
- التذكر في القرآن: يؤسس لمفهوم يسبق الوجود الزمني للإنسان (ميثاق الذر) الإنسان لا يأتي فارغاً بل حاملاً لأثر وجودي في فطرته “التذكر” هنا هو إيقاظ لهذا الأثر وليس إضافة معلومة خارجية، وما يُتذكر هو “حق مطلق” لا يتغير، فالعلاقة معه استنباطية؛ الإنسان لا يُصحح النص بل يتعمق فيه، وكلما زاد حضور النص في الوعي (حفظاً وذكراً) زادت القدرة على الاستنباط.
حين يقول القرآن: “أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ” نجد أن الطمأنينة (وهي ذروة إنسانية) مرتبطة بالذكر، بينما في هرم بلوم، التذكر هو القاع. هذا التباين وحده يكفي لإثبات أن النموذجين ينتميان لعالمين مختلفين تماماً.
رابعاً: ما الذي يُهرَّب فعلاً؟
حين يُسقط هرم بلوم على القرآن، يُهرّب معه نظام كامل من المفاهيم: يُهرّب مفهوم “الإنسان الصفر” بدلاً من “إنسان الفطرة“، وتُهرّب “المعرفة المتجاوزة” بدلاً من “الحق الثابت“، ويُدرج النص القرآني ضمن النصوص البشرية القابلة للتطوير، كل هذا يحدث تحت مظلة التشابه اللفظي، دون أن ينتبه القارئ لهذا الاختراق المفاهيمي.
خامساً: الإطار الغربي والخطر الوجودي
الأطر المستعارة ليست مجرد أدوات محايدة، هي نتاج رؤية ترى العقل البشري مرجعاً أعلى والتقدم تجاوزاً للموروث، حين نُخضع نصنا لهذه المعايير نرتكب خطأً وجودياً؛ لأننا نقيسه بمسطرة لم تُصنع له، فنراه “قديماً” أو “ناقصاً” بناءً على معايير النموذج الغربي.
الخطر الوجودي هو فقدان أداة التفكير الأصيلة، فالأداة تنقل معها “السؤال” وحين يكون سؤالك مصاغاً بلغة نموذج آخر لن تصل أبداً إلى إجابات نصك الحقيقي، هذا هو الاستعمار الحقيقي: احتلال السؤال لا الأرض.
سادساً: الاشتقاق البنيوي، الطريق الآخر
الحل ليس في العزلة، بل في إعادة ترتيب العلاقة، بدلاً من استيراد الأداة نذهب للنص ونسأله عن أدواته، نستنبط منه رؤيته للإنسان، والمعرفة، والحق، ثم نبني من هذا الاستنباط مناهجنا.
هذا هو “الاشتقاق البنيوي” أن تكون المنهجية مشتقة من النص لا مسقطة عليه، قد تكون النتائج الأولى خامة غير مصقولة مقارنة بالأطر الغربية، لكنها تمتلك ميزة الأصالة، والشيء الأصيل ينمو من داخله، بينما المستعار يبقى رهين سقفه الأصلي.
خاتمة: العمران من النص لا على النص
الغاية هي بناء عمران حضاري له عمود فقري داخلي، الأمة التي تشتق تصوراتها من نصها تبني بناءً راسخاً، أما التي تستعير التصورات وتلبسها عباءة النص فهي تبني بناءً معلقاً ينهار أمام أول ريح يهب من أي جهة.
الفارق بين القارئين هو الفارق بين حضارة تسأل نصها: “ماذا تقول؟” فتبني من إجابته، وحضارة تمليه: “قل ما أعرفه” فتبني على وهم، والاشتقاق البنيوي هو الخطوة الأولى لنكون من أصحاب الحضارة الأولى.