من باولو فريري إلى مخيمات اللجوء: تجليات التعليم الشعبي في السياق العربي الراهن

لم يكن التعليم الشعبي، كما صاغه باولو فريري في ستينيات القرن العشرين، مجرد طريقة بديلة للتدريس، بل كان فلسفة وجودية للتحرر. ففي كتابه `”Pedagogy of the Oppressed”` (1970)، رأى فريري أن التعليم التقليدي القائم على “نموذج الإيداع البنكي” – حيث يُلقن المعلّم المتعلّم معلومات جاهزة – يعيد إنتاج علاقات الهيمنة والاضطهاد. بالمقابل، دعا إلى تعليم حواري يعتمد على وعي المتعلمين بواقعهم، وقدرتهم على تحويله (Freire, 1970). في هذا النموذج، تتحول العلاقة بين المعلّم والمتعلّم إلى علاقة أفقية، يصبح فيها التعليم فضاءً للديمقراطية والممارسة التحررية.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم: كيف يمكن لهذه الرؤية أن تتجسد في أكثر السياقات العربية قسوة، أي في مخيمات اللجوء والنزوح، حيث تنهار المؤسسات، وتندر الموارد، وتتفاقم الصدمات؟ هذا المقال يحاول تتبع تجليات التعليم الشعبي في السياق العربي الراهن، من خلال تحليل تجارب موثقة في دول عربية متعددة، مسلطًا الضوء على ممارسات مقاومة وإبداع تعيد تعريف المعنى الحقيقي للتعليم.
يؤسس فريري تعليمه على مفهومين محوريين: “الوعي النقدي” (`conscientização`) و”الحوارية”. فالوعي النقدي ليس مجرد معرفة بالحقائق، بل هو قدرة على تحليل الأسباب الجذرية للمشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ثم الشروع في تغييرها (Freire, 1973). أما الحوارية، فتعني أن العلاقة بين المعلّم والمتعلّم تصبح علاقة أفقية يتعلم فيها الجميع من الجميع (Freire, 1970). في هذا الإطار، يصبح الفصل الدراسي (أو أي فضاء تعليمي) مختبرًا للديمقراطية والممارسة التحررية.
لكن تطبيق هذه الرؤية في سياقات مستقرة نسبيًا صعب، فكيف الحال في مخيمات اللجوء؟ المفارقة أن الظروف القصوى قد تخلق أرضًا خصبة للتعليم الشعبي، ليس رغمًا عنها بل بسببها. فعندما تغيب المركزية والرقابة الرسمية، وعندما تصبح الحاجة ملحة لفهم الواقع القمعي من أجل البقاء، يضطر المعلمون والمتعلمون إلى ابتكار ممارسات تعليمية تضع التجربة الحية في القلب.
-
لبنان: التعليم غير النظامي كخيار مفضل للأسر السورية
في لبنان، حيث يعيش أكبر عدد من اللاجئين السوريين بالنسبة لعدد السكان، يواجه الأطفال تحديات هائلة في الوصول إلى التعليم. تشير إحصاءات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لعام 2025 إلى أن 50% فقط من الأطفال السوريين في الفئة العمرية 6-14 سنة ملتحقون بالتعليم الابتدائي (UNHCR, 2025). في هذا السياق، تلعب منظمات مثل “أنيرا” (Anera) دورًا محوريًا من خلال توفير “فصول تعليمية مرنة” داخل المخيمات، حيث تقدم برامج تعليمية أساسية مصممة خصيصًا لتناسب احتياجات الطلاب المنقطعين عن الدراسة (Anera, n.d.).
الأهم من ذلك، تُظهر دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في مجلة “Journal of International Migration and Integration” أن الأسر اللاجئة تفضل هذه الأنماط من التعليم غير النظامي ليس فقط بسبب سهولة الوصول، بل لأنها تُنظر إليها على أنها “أكثر سهولة وملاءمة وشمولية” (Diab, 2025). يوفر هذا النوع من التعليم دعماً مصمماً خصيصاً وحساساً ثقافياً، وهو ما يفتقده غالباً في النظام الرسمي المكتظ (Diab, 2025). هذه التفضيلات تتحدى الافتراضات السائدة حول تفوق التعليم الرسمي وتؤكد على قيمة النماذج البديلة التي تضع احتياجات المتعلم في المقدمة (Diab, 2025).
-
غزة والضفة الغربية: التعليم كصمود في وجه الاحتلال
يواصل قطاع غزة معاناة غير مسبوقة في قطاع التعليم، حيث تقدر اليونيسف أن ما لا يقل عن 92% من المدارس بحاجة إلى إعادة بناء كاملة أو أعمال تأهيل كبرى (UNICEF, 2026). في مواجهة هذا الدمار، أطلقت اليونيسف برنامج “العودة إلى التعلم” (Back-to-Learning)، بهدف توسيع نطاق التعليم غير النظامي ليشمل مئات الآلاف من الأطفال (UNICEF, 2026). هذا البرنامج يوفر “مساحات تعلم” في الخيام والمراكز المجتمعية، والتي لا تقدم التعليم فقط بل تشكل طوق نجاة نفسي للأطفال (UN News, 2026).
في الضفة الغربية، تواجه الأونروا تحديات مماثلة مع استمرار إغلاق المدارس. ففي بيان رسمي، أعلنت الأونروا أن ست مدارس تابعة لها في القدس الشرقية قد أغلقت قسراً من قبل السلطات الإسرائيلية، مما أثر على 800 طفل، بينما يتبع أكثر من 4,000 طفل في شمال الضفة برامج تعليمية بديلة تشمل التعلم عن بعد (UNRWA, 2025). في الوقت نفسه، تمكنت الأونروا من افتتاح عام دراسي لنحو 46,000 طفل فلسطيني لاجئ في باقي أنحاء الضفة (UNRWA, 2025). كما تواصل الأونروا تشغيل أكثر من 70 مأوى في غزة، وتقدم دروسًا عبر الإنترنت تستهدف نحو 300,000 طفل، مما يؤكد أن التعليم يظل “علاجًا لليأس والصدمات النفسية” (UNRWA, 2025b).
-
العراق: من المطالبة بالحق في التعليم إلى تطبيق نظرية فريري
يقدم السياق العراقي نموذجين ملهَمين للتعليم الشعبي. ففي بلدة “قيان” (Qaylan) ذات الغالبية الإيزيدية، قاد فريق سلام شبابي (Youth Peace Team) حملة مجتمعية ناجحة لإعادة فتح مدرسة كانت محتلة من قبل قوات الشرطة، مما اضطر الأطفال للسير لمسافات طويلة (أكثر من 30 دقيقة) في ظروف خطرة للوصول إلى المدرسة الوحيدة في المنطقة (Nonviolent Peaceforce, 2025). بعد سلسلة من اللقاءات والضغط، أصدرت الجهات الرسمية أمرًا بإخلاء المدرسة وعودتها للطلاب، مما جسّد نموذجًا نادرًا للمجتمع وهو ينتزع حقه في التعليم (Nonviolent Peaceforce, 2025).
على المستوى النظري والتطبيقي، نُشرت دراسة أكاديمية حديثة تستكشف تطبيق بيداغوجيا فريري النقدية في إقليم كردستان العراق (Farzad & Holloway, 2025). تبحث الدراسة في كيفية مواجهة الأنظمة التعليمية المركزية القائمة على الحفظ والتلقين من خلال اعتماد أساليب حوارية تتمحور حول الطالب (Farzad & Holloway, 2025). تشير النتائج إلى أن تعزيز الوعي النقدي يمكن أن يكون خطوة تحويلية نحو نظام تعليمي أكثر ديمقراطية وتشاركية، مما يقدم إطارًا نظريًا تطبيقيًا لاستخدام أفكار فريري في سياق عربي ما بعد الصراع (Farzad & Holloway, 2025).
-
اليمن والسودان: مساحات التعلم الآمنة كمراكز مجتمعية متكاملة
في اليمن، يواجه 6 ملايين طفل اضطرابات في تعليمهم بسبب النزاع (UNICEF Yemen, n.d.). ركزت استجابة اليونيسف على دعم “التعليم المسرع”، حيث يتم تقديم فصول في الفترات المسائية للأطفال خارج المدرسة، مع تقديم حوافز لأكثر من 2,600 معلم متطوع كجزء من مشروع “استعادة التعليم والتعلم” (REAL) (UNICEF Yemen, n.d.).
أما في السودان، فالأزمة أعمق، حيث أن 17 مليون طفل خارج المدرسة (UNICEF, 2025). في هذا السياق، تقدم مبادرة “مكانة” (Makanna) نموذجًا رائدًا. بتمويل من الحكومة الألمانية قدره 30 مليون يورو، تخطط اليونيسف لإنشاء 130 مساحة صديقة للأطفال، لتصل إلى 240,000 طفل (UNICEF, 2025b). هذه المساحات ليست مجرد فصول دراسية، بل توفر استشارات نفسية وخدمات صحية ومياه، مما يعكس رؤية متكاملة للتعليم الشعبي. إحدى هذه المساحات في الجنينة، غرب دارفور، تستقبل 250 طفلًا نازحًا، وتوفر لهم فرصة للرسم واللعب وتلقي الدعم النفسي والاجتماعي، مما يحول خيام التعلم إلى مساحات حياة وأمل (UNICEF, 2025c).
-
الإمارات العربية المتحدة: تطبيق عملي في نظام تعليمي رسمي
في سابقة تعد الأولى من نوعها، نُشرت دراسة حالة في مجلة “Language Awareness” العلمية، توثق تجربة معلمة في مدرسة حكومية بأبوظبي طبق فيها مفهوم “حلقات الثقافة” لباولو فريري (Nelson & Chen, 2023). قامت المعلمة بتطبيق نهج “طرح المشكلات” (problem-posing) في فصل للغة الإنجليزية، مما أدى إلى زيادة ملحوظة في قدرة الطالبات على طرح الأسئلة النقدية، وتحفيز الكتابة، وما وراء المعرفة (Nelson & Chen, 2023). تقدم هذه التجربة دليلاً عمليًا على أن أفكار فريري ليست حكرًا على التعليم غير النظامي، بل يمكن توظيفها داخل المناهج الثابتة لتحويل الفصل الدراسي إلى فضاء للتحرر الفكري والوعي النقدي (Nelson & Chen, 2023).
رغم هذه التجارب الملهمة، يواجه التعليم الشعبي في السياقات العربية تحديات جسيمة:
- التمويل والاستدامة: تعتمد معظم هذه البرامج على تمويل المانحين، مما يجعل استدامتها غير مضمونة. تحتاج اليونيسف بشكل عاجل إلى 86 مليون دولار لتوسيع نطاق برنامج العودة إلى التعلم في غزة ليشمل 336 ألف طفل فقط (UN News, 2026).
- غياب الاعتراف الرسمي: لا تمنح شهادات التعليم غير النظامي فرصًا متكافئة للالتحاق بالتعليم النظامي، مما يثبط عزيمة الأسر (Diab, 2025).
- إرهاق المعلمين: في اليمن، لا يحصل أكثر من ثلثي المعلمين على رواتبهم بشكل منتظم منذ 2016 (UNICEF Yemen, n.d.). في السودان، تعتمد البرامج على معلمين متطوعين يواجهون صدماتهم الخاصة.
- الانقطاع المستمر: بسبب القصف أو النزوح المتكرر، تتقطع العملية التعليمية، مما يجعل بناء تسلسل معرفي طويل صعبًا.
- توثيق التجارب المحلية: إنشاء أرشيف رقمي مفتوح للممارسات التعليمية الشعبية. دراسة الحالة من الإمارات (Nelson & Chen, 2023) والتجربة المجتمعية في العراق (Nonviolent Peaceforce, 2025) هي نماذج ملهمة يجب توثيقها ونشرها.
- الاستثمار في التدريب: تقديم دورات تدريبية للمعلمين في المناطق المتضررة حول بيداغوجيا فريري والتعليم المراعي للصدمات النفسية، مثل النموذج المطبق في مساحات “مكانة” في السودان (UNICEF, 2025c).
- المرونة في التقييم: استبدال الامتحانات التقليدية بمشاريع جماعية، كما هو متبع في برامج التعليم المسرع في اليمن (UNICEF Yemen, n.d.).
- الدعوة للاعتراف: مطالبة الحكومات والمنظمات الدولية بالاعتراف بشهادات التعليم غير النظامي كبدائل معادلة، والاستفادة من نموذج دمج اللاجئين في المدارس العامة في إقليم كردستان العراق (UNHCR, 2025).
من خيام النزوح في غزة إلى مساحات التعلم الآمنة في السودان، ومن الفصول الدراسية في أبوظبي إلى حملات المناصرة المجتمعية في العراق، يثبت التعليم الشعبي أنه ليس ترفًا فكريًا، بل هو فعل حياة ومقاومة واستمرار. كما قال فريري: “التعليم لا يصنع التغيير، لكن التغيير لا يمكن أن يحدث بدون تعليم”. في السياق العربي الراهن، حيث يتم استهداف المدارس والمعلمين بشكل ممنهج، يصبح هذا التعليم، بكل أشكاله الشعبية والحوارية والنقدية، السلاح الأقوى لحماية المستقبل وامتلاك الوعي.
قائمة المراجع
المراجع العربية
اليونيسف اليمن. (بدون تاريخ). التعليم. UNICEF. https://www.unicef.org/yemen/ar/التعليم
المراجع الأجنبية
Anera. (n.d.). Non-Formal Refugee Education in Lebanon. Anera. https://www.anera.org/priorities/non-formal-refugee-education/
Diab, J. L. (2025). Bordering belonging: A qualitative exploration of educational integration for Syrian refugees in Lebanon across perceived value and impact. Journal of International Migration and Integration. https://doi.org/10.1177/17461979251356887
Farzad, L. M., & Holloway, J. T. (2025). Beyond Banking: Applying Paulo Freire’s Critical Pedagogy to Educational Reform in the Kurdistan Region of Iraq. American Journal of Philological Sciences, 5(08), 1–8.
Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed. Continuum.
Freire, P. (1973). Education for Critical Consciousness. Seabury Press.
Nelson, N., & Chen, J. (2023). The interplay of critical language pedagogy and young Arabic EFL learners. Language Awareness. https://doi.org/10.1080/09658416.2023.2206136
Nonviolent Peaceforce. (2025, July 16). Restoring Education: Youth-Led Advocacy for Safe and Accessible Schools in Iraq. https://nonviolentpeaceforce.org/youth-restores-education-in-iraq/
UN News. (2026, January 27). اليونيسف: حملة واسعة للعودة للتعلم في غزة تشمل 336 ألف طفل. https://news.un.org/ar/story/2026/01/1144111
UNHCR. (2025). Vulnerability Assessment of Syrian Refugees in Lebanon (VASyR 2025).
UNHCR Iraq. (2025, October). Refugee Education Support.
UNICEF. (2025b, April 24). UNICEF to partner with Germany to provide safe spaces for 240,000 conflict-affected children in Sudan. https://www.unicef.org/sudan/press-releases/unicef-partner-germany-provide-safe-spaces-240000-conflict-affected-children-sudan
UNICEF. (2025c, December 11). Defeating Disability and Displacement. https://www.unicef.org/sudan/stories/defeating-disability-and-displacement
UNICEF. (2026, January 27). أطفال غزة بحاجة إلى دعم دولي عاجل ليعودوا إلى التعلّم. https://www.unicef.org/sop/ar/أطفال-غزة-بحاجة-إلى-دعم-دولي-عاجل-ليعودوا-إلى-التعلّم
UNICEF Sudan. (2025, July 21). Back to School in Sudan: Hope in a Backpack. https://www.unicefusa.org/stories/back-school-sudan-hope-backpack
UNRWA. (2025, September 1). UNRWA statement on return to schools in the occupied West Bank. https://www.unrwa.org/newsroom/official-statements/unrwa-statement-return-schools-occupied-west-bank
UNRWA. (2025b, November 2). UNRWA Operating Over 70 Shelters Housing Thousands of Displaced People in Gaza. https://qna.org.qa/en/news/news-details?id=unrwa-operating-over-70-shelters-housing-thousands-of-displaced-people-in-gaza&date=2/11/2025