يوم المعلم: هل يكفي الانضباط الوظيفي للتكريم؟

بقلم: رئيس التحرير
رسالة إلى معالي الأخ وزير التربية والتعليم السيد الدكتور جلال الطبطبائي،
مع اقتراب يوم المعلم وما يصاحبه من احتفاء وتكريم للمعلمين المتميزين، يحق لنا أن نتوقف أمام سؤال جوهري يستحق التأمل: من هو المعلم الذي يستحق التكريم حقاً؟ وهل تكفي مؤشرات الحضور والانصراف والانضباط الوظيفي وحدها للحكم على تميز المعلم واستحقاقه لهذا الشرف؟
لا شك أن الالتزام الوظيفي قيمة مهمة، وأن احترام الأنظمة واللوائح جزء من أخلاقيات المهنة التعليمية، لكن المعلم ليس موظفاً إدارياً فحسب، بل صاحب رسالة تربوية وإنسانية تتجاوز حدود دفتر الدوام وساعات العمل الرسمية. ولذلك فإن الاقتصار على المعايير الإدارية عند اختيار المكرمين قد يحرم العملية التعليمية من فرصة حقيقية للاحتفاء بالمعلمين الذين صنعوا أثراً عميقاً في طلابهم وأسهموا في تطوير مدارسهم ومجتمعهم التعليمي.
ومن هنا تأتي هذه الرسالة بمناسبة يوم المعلم، ليس للاعتراض على التكريم، بل للدعوة إلى تطوير معاييره، بحيث يصبح أكثر عدالة وشمولاً وقدرة على اكتشاف النماذج التعليمية الملهمة التي تستحق أن تُقدم قدوة للأجيال القادمة.
فالمعلم لا يُقاس بعدد الأيام التي حضرها فقط، بل بحجم الأثر الذي تركه. وقد أثبتت التجارب التعليمية العالمية أن أفضل المعلمين ليسوا بالضرورة أكثرهم التزاماً بالإجراءات الإدارية فحسب، بل أكثرهم قدرة على الإلهام، وتحفيز التفكير، وغرس القيم، وصناعة بيئة تعليمية جاذبة وممتعة.
وفي الدول المتقدمة تعليمياً، مثل فنلندا وسنغافورة وكوريا الجنوبية وكندا، تعتمد معايير التميز على مجموعة واسعة من المؤشرات، منها مستوى تقدم الطلاب أكاديمياً، وقدرة المعلم على توظيف التقنيات الحديثة، ومشاركته في تطوير المناهج، وإسهامه في البحث التربوي، وعلاقته الإيجابية بالطلبة وأولياء الأمور، ومدى تأثيره في تحسين بيئة المدرسة بشكل عام.
ففي فنلندا على سبيل المثال، ينظر إلى المعلم بوصفه قائداً تربوياً وباحثاً ومربياً قبل أن يكون موظفاً يؤدي ساعات عمل محددة. أما في سنغافورة، فتوجد مسارات مهنية متقدمة للمعلمين المتميزين تعتمد على الابتكار والإبداع والقدرة على تطوير زملائهم ونقل الخبرات إليهم.
ولعل هذا ما تناولناه بشيء من التفصيل في كتابنا «إنقاذ التعليم: لماذا فشل تعليمنا؟ وكيف نصل إلى نموذج فنلندا؟»، حيث أشرنا إلى أن جوهر نجاح الأنظمة التعليمية المتقدمة لا يكمن في كثرة اللوائح والإجراءات، بل في بناء منظومة تضع المعلم الكفء في قلب عملية الإصلاح، وتمنحه المكانة والتدريب والتقييم العادل الذي يركز على جودة المخرجات والأثر التربوي أكثر من التركيز على المؤشرات الإدارية وحدها، فالمعلم هو حجر الزاوية في أي مشروع تعليمي ناجح، وأي تطوير حقيقي للتعليم يبدأ من تطوير آليات اختياره وتأهيله وتقييمه وتكريمه.
ومن هنا يمكن القول إن المعلم الذي يستحق التكريم هو من يجمع بين الكفاءة المهنية والرسالة الإنسانية، هو الذي يرى في التعليم رسالة لا وظيفة، ويؤمن بأن نجاح طلابه جزء من نجاحه الشخصي. هو الذي يطوّر نفسه باستمرار، ويقرأ ويتعلم، ويواكب المتغيرات، ويستخدم أساليب تعليم حديثة تجعل الطالب شريكاً في عملية التعلم لا مجرد متلقٍ للمعلومة.
كما أن المعلم المتميز هو من يكتشف مواهب طلابه، ويحتضن المتعثرين منهم، ويزرع الثقة في نفوسهم، ويصنع الفارق في حياتهم حتى بعد سنوات طويلة من تخرجهم. فكثير من الناس ينسون أسماء الكتب التي درسوها، لكنهم لا ينسون معلماً صالحاً آمن بقدراتهم وشجعهم في لحظة كانوا بحاجة فيها إلى كلمة دعم.
لذلك فإن تكريم المعلم ينبغي أن يقوم على منظومة متكاملة من المعايير، تشمل الأداء الأكاديمي، والتطوير المهني، والابتكار، والتأثير التربوي، وخدمة المجتمع المدرسي، إضافة إلى الانضباط الوظيفي، لا أن يقتصر على جانب إداري واحد مهما بلغت أهميته.
كما أن من الضروري اعتماد مؤشر وطني شامل للأداء التربوي يقوم على تقييم متعدد المصادر، بحيث يُمنح جزء من التقييم لتطور مستوى الطلاب ونتائجهم التعليمية، وجزء لآراء الطلبة أنفسهم في جودة الشرح والتواصل والتحفيز والعدالة داخل الصف، وجزء لتقييم أولياء الأمور، إضافة إلى تقييم الإدارة المدرسية والمشرفين التربويين والمشاركة في الأنشطة والمبادرات التطويرية والبحثية، وذلك وفق أوزان ومعايير علمية تحددها الجهات المختصة بما يضمن التوازن بين الأداء الأكاديمي والتربوي والإداري.
وقد أثبتت تجارب العديد من الأنظمة التعليمية المتقدمة أن استبانات الطلبة العلمية والمحكمة تمثل مؤشراً مهماً على جودة الأداء التعليمي عندما تكون جزءاً من منظومة تقييم متوازنة، لا بديلاً عن المعايير المهنية الأخرى، ومن غير المنطقي أن يكون الطالب محور العملية التعليمية والمستفيد الأول منها ثم يُستبعد رأيه بالكامل عند تقييم المعلم أو اختيار المتميزين للتكريم؛ فصوت الطالب ليس حكماً نهائياً، لكنه مؤشر مهم يكشف جوانب قد لا تظهر في التقارير الإدارية التقليدية، فالمعلم الذي يستحق التكريم حقاً هو من ينجح في صناعة الأثر، وإيقاظ الفضول المعرفي، وبناء الشخصية، وغرس القيم، وتحقيق نتائج تعليمية ملموسة، لا من يكتفي بمجرد الحضور والانصراف والالتزام بالإجراءات الوظيفية وحدها.
ومن الملاحظ أيضاً أن الاحتفاء بيوم المعلم في كثير من الأحيان يتركز على وزارة التربية والتعليم العام، بينما يغيب أو يضعف حضور مؤسسات التعليم العالي في هذه المناسبة، رغم أن أعضاء هيئة التدريس في الجامعات والكليات والمعاهد هم جزء أصيل من المنظومة التعليمية الوطنية، فالأستاذ الجامعي لا يقتصر دوره على التدريس فحسب، بل يجمع بين التعليم والبحث العلمي والإشراف الأكاديمي وخدمة المجتمع وإعداد الكفاءات الوطنية في مختلف التخصصات، فهل يُعقل أن نحتفي بالمعلم في المدرسة ونغفل المعلم في الجامعة، مع أن كليهما يحمل الرسالة نفسها ويشارك في بناء الإنسان وصناعة المستقبل؟ وهل يمكن الحديث عن تقدير شامل للتعليم مع استثناء شريحة تمثل قمة الهرم الأكاديمي والبحثي في الدولة؟
إن تكريم المعلم يجب أن يكون مفهوماً وطنياً واسعاً يشمل جميع من يحمل رسالة التعليم، من رياض الأطفال إلى قاعات الجامعات والمعاهد ومراكز البحث العلمي، فالجميع شركاء في بناء الإنسان وصناعة المستقبل، ولكل منهم دوره الذي لا يقل أهمية عن الآخر، وربما آن الأوان لأن تتبنى وزارة التعليم العالي والجامعات الحكومية والخاصة برامج سنوية واضحة للاحتفاء بأساتذتها المتميزين، وإبراز نماذج النجاح الأكاديمي والبحثي، حتى يشعر الأستاذ الجامعي بأن المجتمع يقدّر رسالته كما يقدّر رسالة زميله في التعليم العام.
وفي النهاية، فإن يوم المعلم ليس مناسبة للاحتفاء الشكلي أو توزيع الشهادات والدروع فحسب، بل فرصة وطنية لمراجعة مفهوم التميز التربوي ومعايير التكريم والتقدير، فالمعلم العظيم لا يُعرف بعدد الأيام التي حضرها إلى المدرسة، بل بعدد العقول التي أيقظها، والطاقات التي أطلقها، والقيَم التي غرسها، والإنسان الذي أسهم في بنائه.
فالمعلم الذي يستحق أن يُحتفى به هو الذي يصنع فرقاً حقيقياً في حياة طلابه، ويغرس فيهم العلم والقيم والثقة والطموح، ويترك أثراً يبقى سنوات طويلة بعد انتهاء الحصص الدراسية، كما أن العدالة تقتضي أن يشمل التقدير جميع أفراد الأسرة التعليمية من معلمي المدارس وأساتذة الجامعات والكليات والمعاهد، لأنهم جميعاً شركاء في بناء الإنسان وصناعة المستقبل، وعندما يصبح التكريم قائماً على الكفاءة والأثر والإنجاز لا على المؤشرات الإدارية وحدها، فإننا لا نكرّم المعلم فحسب، بل نكرّم التعليم نفسه، ونبعث برسالة واضحة مفادها أن الأمم تتقدم بعقول معلميها قبل أي شيء آخر.