التعلم الذاتي : المفهوم والأسس

تسعى التوجهات التربوية المعاصرة إلى تغيير دور المتعلم من متلق سلبي إلى متعلم نشط فعال مشارك في العملية التعليمية، ولعل التعلم الذاتي هو أحد أساليب التعلم التي تدعم التعلم نشط وتجعل المتعلم قادرا على إدارة وتنظيم وتوجيه التعلم وفق احتياجاته وقدراته واهتماماته بصورة مستقلة وواعية، بدءاً من تحديد الأهداف، واختيار المحتوى، والمصادر والوسائل التعليمية حتى نهاية عملية التقويم. وقد ساهمت التقنيات الحديثة في توسيع فرص التعلم الذاتي، والوصول إلى المعلومات بيسر وسهولة، مما يساعد المتعلم على التعلم بحسب ظروفه في أي وقت وفي أي مكان. وبذلك يعد التعلم الذاتي ركيزة أساسية لتحقيق استدامة التعليم وفقاً لمعايير اليونسكو الدولية، وهو ما يجسد مستهدفات برنامج تنمية القدرات البشرية في رؤية المملكة العربية السعودية 2030 والتي تهدف إلى إعداد مواطن منافس عالمياً.
وفيما يلي قراءة مفصلة حول التعلم الذاتي تشمل مفهومه، ومبادئه، وبعض مهاراته، واستراتيجياته مع بيان الدور الحيوي للمعلم كونه ميسر للعملية التعليمية.
مفهوم التعلم الذاتي
التعلم الذاتي أسلوب من أساليب التعلم، يسعى فيه المتعلم لتحقيق أهدافه، عن طريق تفاعله مع المادة التعليمية، ويسير وفق قدراته واستعداداته وإمكاناته الخاصة، مع أقل توجيه من المعلم (اللقاني والجمل، 2013). ويرجع الاهتمام بالتعلم الذاتي إلى عاملين:
- تزايد التركيز على المتعلم في الاتجاهات التربوية الحديثة والاهتمام بدوره الفعال ومشاركته المباشرة في التعلم وتغيره من مستمع سلبي إلى متعلم مشارك وباحث وناقد.
- ظهور التقنيات الحديثة التي ساعدت على التعلم الذاتي (مصطفى، 2014).
مبادئ التعلم الذاتي
- تحمل المتعلم مسؤولية تعلمه: بتحديد الأهداف واختيار المصادر وتنظيم وقته وتقويم ذاته.
- التعلم وفق السرعة الذاتية.
- المرونة.
- الدافعية.
مهارات التعلم الذاتي
لكي يتحقق التعلم الذاتي لا بد من اكتساب مهارات تساعد المتعلم على تطبيق التعلم الذاتي بطريقة صحيحة تحقق أهدافه وقد أشارت الجرف (2016) إلى هذه المهارات والتي تتضمن: مهارات القراءة والفهم، الكتابة، تدوين المعلومات، توثيق المعلومات، تنمية الحصيلة اللغوية من المفردات والمصطلحات، مهارات عقلية ومهارات تفكير، مهارات البحث عن المعلومات.
وأضافت بوبكري (2018):
- مهارات تنظيم الدراسة مثل عمل الجداول الدراسية، وكيفية تنظيم أوقات الدراسة.
- والقراءة الفاعلة مثل تحسين مستوى الفهم والاستيعاب والتركيز والانتباه والقراءة الفاعلة.
- الكفايات الكتابية ومهاراتها: كالتلخيص، وتدوين الملاحظات، كتابة التقارير والمقالات.
- مهارات الوصول إلى مصادر التعلم واستخدام الوسائل التعليمية.
- المهارات المتعلقة بالتقويم: وتشمل على معرفة المتعلم لأساليب المراجعة والاستعداد للامتحان.
- مهارات البحث والتنظيم المستمر للمعرفة.
- مهارات اكتساب التفاعل والتواصل المثمر الذكي.
استراتيجيات التعلم الذاتي
هناك عدة استراتيجيات تساعد المتعلم على اكتساب هذه المهارات وهي كما ذكرتها الغامدي (1442هـ):
- تعزيز التعلم بالاختبارات: وهي استراتيجية تعتمد على استرجاع المعلومات، فقد تكون هذه الاختبارات تحريرية تكون إجابتها بشكل تفصيلي وإسهابي، وقد تكون موضوعية.
- التفسير الذاتي بشكل مفصل: تعتمد على المتعلم في إثارته للأسئلة حول محتوى التعليم ليحفز ذلك من ذاكرته وتذكره، والتي تعمل على التحفيز لاسترجاع المعلومات التي تساعده على فهمه للمادة بالشكل الجيد، واستخدام المعارف في حل جميع المشاكل.
- الممارسة الموزعة: وتستخدم حتى نضمن التذكر للمعلومات بالمحتوى التعليمي لفترات طويلة، وذلك عن طريق تجزئة محتوى الدراسة لتوزيع الجهود، وتتم الدراسة على بعض الجلسات المختلفة، ليستطيع بذلك المتعلم أن يسترجع المعلومات لفترات طويلة.
- الممارسة المتداخلة: تعتمد على الدراسة لمواضيع متعددة أو لمواد عديدة بنفس الوقت، ليكون بديلا من الدراسة لنفس المادة والتركيز عليها بشكل جيد قبل أن تنتقل لمادة أخرى لدراستها، وهذه الاستراتيجية فعالة أكثر في التنمية لمهارات العقل لحل المشاكل، وللقدرة على تداول المعلومات المكتسبة، وأيضاً للاحتفاظ بها لفترة طويلة.
ويمكن تطبيق هذه الاستراتيجيات بعدة طرق، حيث يتم استخدام الاختبار المقنن في نهاية الوحدة كتطبيق لاستراتيجية تعزيز التعلم بالاختبارات، كما يمكن تطبيق استراتيجية التفسير الذاتي بشكل مفصل عن طريق حل أسئلة التقويم البنائي الموجودة داخل الدروس مثل: ماذا قرأت؟ تفسير الرسوم البيانية، أو استخدام المنظمات التخطيطية والخرائط الذهنية، أما الممارسة الموزعة فإنها تعتمد على تقسيم المحتوى إلى وحدات بدل من تقديمه مرة واحدة بحيث يقسم الدرس إلى أفكار يتم دراسة كل فكرة في حصة، وبالنسبة للممارسة المتداخلة فإنها تظهر في تنوع الحصص الدراسية في اليوم الدراسي بدلاً من دراسة مادة واحدة فقط طوال اليوم الدراسي.
أنماط التعلم الذاتي
أولاً: التعليم المبرمج:
ويتيح هذه النمط للمتعلّم تعليم نفسه من خلال برنامج تعليمي منظّم يُقسَّم فيه المحتوى إلى خطوات متتابعة، تساعده على الانتقال تدريجيًا من المجهول إلى المعلوم وفق سرعته الذاتية. وينقسم التعلّم المبرمج إلى نوعين:
- البرامج الخطية: التي تعتمد على إطارات متسلسلة لا ينتقل المتعلّم بينها إلا بعد إتقان الأطر السابقة. وتنسب إلى العالم سكنر، وتعتمد على التعزيز الفوري وتقديم التغذية الراجعة.
- البرامج المتشعبة: التي تقدّم أسئلة اختيار من متعدد بعد تقديم المحتوى، ويُوجَّه المتعلّم فيها إلى إطار علاجي عند الخطأ يوضح له سبب الخطأ ويصحح مفاهيمه قبل العودة للمسار الأصلي. وقد طور هذا النموذج العالم كراودر.
ومما سبق يتضح اتفاق النوعين في تعزيز الإجابات الصحيحة، واختلافهما في طبيعة الاستجابة، كما تمتاز البرامج الخطية بسهولة بنائها وتنظيمها وشمولها لمحتوى المنهج.
ويمتاز التعليم المبرمج بتحديد الأهداف وبالتالي دقة الموقف التعليمي، تعزيز المتعلمين، إثارة الدافعية، تنمية الاعتماد على الذات. ولكن يؤخذ عليه أنه قد يكون فيه نوع من الرتابة، كما أنه يعتمد على الحفظ، بالإضافة إلى أن إعداده مكلف حيث يتطلب برامج ومبرمجين، وأجهزة خاصة بالتعليم المبرمج، أما بخصوص الناحية الوجدانية والاجتماعية فإنه يعاب على التعليم المبرمج إغفاله التام عن تلبية هذه الاحتياجات وتنميتها لدى الطالب وتركيزه على الجانب المعرفي والمهاري فقط.
ثانيا: استراتيجية الحقائب التعليمية:
هي عبارة عن نظام تعليمي متكامل يُبنى وفق أسس منهجية منظمة، يهدف إلى تحقيق تعلّم فعّال من خلال مجموعة من المواد التعليمية المترابطة ذات أهداف محددة مسبقًا، ويتيح للمتعلّم التفاعل معها بصورة ذاتية وفق سرعته الخاصة، مع توجيه المعلم أو الاسترشاد بالدليل المرفق، وصولًا إلى مستوى مناسب من الإتقان.
وتتكون الحقيبة التعليمية من:
- العنوان: ويعكس الفكرة الرئيسية للوحدة المراد تعلمها.
- دليل المتعلم: ويتضمن معلومات واضحة عن كل مادة مستخدمة في الحقيبة وأفضل الطرق لاستخدامها والأنشطة المقترحة والخبرات والمهارات المتوقع ان يمر بها المتعلم.
- الأهداف: وتكون مصاغة بطريقة سلوكية معرفية مهارية وجدانية.
- أساليب التقويم: اختبارات قبلية بنائية بعدية.
- البدائل والأنشطة: تنوع الوسائل التعليمية تعدد طرق التعليم واساليبه تعدد الأنشطة التعليمية تعدد مستويات المحتوى الدراسي والاختبارات.
- الأنشطة الاثرائية: لتعميق معرفة المتعلمين.
- دليل المعلم.
- المراجع والمصادر.
ولدمج هذه الاستراتيجية في التعليم يتطلب ذلك تصميم حقيبة، وهي مناسبة جدا لجميع مستويات المتعلمين وجميع أنماطهم، ويمكن استخدامها في تدريس وحدة من وحدات المقرر، لا تشترط وجود حاسب آلي يمكن للمعلم تصميمها إذا كان ذو خبرة، ويسهل على المتعلم التعامل معها، يمكن إرفاق مفتاح للإجابات الصحيحة للاختبارات والأنشطة.
ثالثا: استراتيجية التعليم والتعلم بالحاسوب:
انتشر استخدام الحاسوب في مجالات تعليمية متعددة مثل التعليم العام، تعليم الكبار، مساعدة ذوي صعوبات التعلم (الزند، 2004، كما ورد في الخليفة ومطاوع، 2015).
إن التعليم والتعلم عن طريق الحاسوب هو نوع من التعليم المبرمج إذ يعتمد في استخدامه على البرامج التعليمية، إضافة إلى أجهزة الحاسوب. ومن خلال هذه البرامج يستطيع الحاسوب تقديم دروس تعليمية ذاتية مباشرة للمتعلمين.
وقد تعددت البرامج الحاسوبية فمنها:
- البرامج التعليمية.
- البرامج التدريبية.
- برامج حل المشكلات ويوجد منها نوعين:
- النوع الأول: ما يكتبه المتعلم بنفسه ويقدمه بصورة منطقية ويقوم الحاسوب بمعالجة البيانات وتقديم الحل الصحيح.
- النوع الثاني: ويكون مكتوباً من قبل أشخاص آخرين لمساعدة المتعلم على حل المشكلة. ويمكن دمجها ضمن الدروس القائمة على حل المشكلات، أو في أنشطة التفكير العليا.
- برامج المحاكاة: مثل المختبرات الافتراضية وتستخدم في درس مستقل أو جزء من درس.
- البرامج الاستقصائية: توفر معلومات على شكل قاعدة بيانات يتم الرجوع إليها عند الحاجة.
- برامج الألعاب التعليمية: وهي نمط شائع يحقق المتعة والإثارة في التعلم، ويتم دمجها عادةً في مرحلة التقويم القبلي أو البعدي.
ويتميز نمط التعلم عن طريق الحاسوب بالدقة والاتقان وسرعة الإنجاز، وتوفير الوقت والجهد، كما يسمح للمتعلم التعلم بسرعته الخاصة وإعادة عملية التعلم عدة مرات. إلا أن صعوبة توفير الأجهزة من أهم سلبيات هذا النمط سواء من حيث تكلفتها أو تجهيز البرامج التي تحتاج إلى كوادر مدربة ومبرمجين.
دور المعلم في التعلم الذاتي
لم يعد المعلم هو المصدر الوحيد للمعرفة أو العنصر الفاعل الأوحد في العملية التربوية، بل أصبح دوره يتمحور حول مساعدة المتعلم وتوجيهه، وتنسيق الخطط التعليمية التي تهيئ المواقف التعلمية الداعمة لتعلّم المتعلم بنفسه. ويبرز ذلك في التعلم الذاتي من خلال عدد من الأدوار، من أهمها: التعرف على قدرات المتعلمين، وميولهم، واتجاهاتهم بالاعتماد على الملاحظة المباشرة، والاختبارات التشخيصية والبنائية والختامية، وتقديم الدعم اللازم لتنمية قدراتهم، وتطوير اتجاهاتهم. كما يتولى المعلم إعداد المواد التعليمية المناسبة، مثل الرزم التعليمية ومصادر التعلم المتنوعة، وتوظيف التقنيات الحديثة كالتلفاز، والأفلام التعليمية، والحاسوب لدعم التعلم الذاتي. ويُسهم كذلك في توجيه المتعلمين لاختيار أهداف تعليمية تتناسب مع مستوى نقطة البدء التي حددتها نتائج الاختبارات التشخيصية، فضلًا عن إعداد الخطط العلاجية التي تساعدهم على سد جوانب القصور واستكمال الخبرات التعليمية اللازمة.
وختاماً يمكن القول إن التعلم الذاتي أحد أساليب التعلم النشط الذي يدعم استقلالية المتعلم واعتماده على نفسه، ويحقق التعلم المستمر الذي يتوافق مع متطلبات العصر وذلك تحت إشراف ودعم من المعلم بوصفه موجهاً مرشداً للعملية التعليمية بما يحقق تعلماً فعالاً مستداماً يسهم في إعداد متعلّم واعٍ وقادر على مواجهة تحديات المستقبل.
المراجع:
بوبكري، ليلى. (2018). أهمية التعلم الذاتي في العملية التدريسية. مجلة آفاق علمية، 10 (3)، 304-333.
الجرف، ريما. (2016). التعلم الذاتي للطلاب.
الخليفة، حسن جعفر، ومطاوع، ضياء الدين محمد. (2015). استراتيجيات التدريس الفعال. مكتبة المتنبي.
الغامدي، مريم بنت محمد العرفج. (د ت). رحلة التعليم والتعلم الذاتي.
اللقاني، أحمد حسين، والجمل، علي أحمد. (2013). معجم المصطلحات التربوية المعرفة في المناهج وطرق التدريس (ط.3). عالم الكتب.
مصطفى، عفاف عثمان. (2014). استراتيجيات التدريس الفعال. دار الوفاء لدنيا للطباعة والنشر.